من داخل بئر برهوت أو كما يسمى بقعر جهنم أو سجن الجن. هذه البئر التي نسجت حولها العديد من القصص المخيفة والمرعبة لسنوات طويلة ولم يجرأ أحد على التوغل بداخلها خوفا من أن يلقوا نفس مصير من دخلوها قبلهم. إليكم حقيقة البئر التي زعم منذ وقت طويل بأنها بئر برهوت.
أخيرا ولأول مرة تمكن فريق عماني لاستكشاف الكهوف من النزول والوصول إلى قعر بئر برهوت في صحراء المهرة شرق اليمن. يوضح للعالم بأن كل ما روي من أساطير مخيفة حول هذه البئر لا تمت للحقيقة بصلة. مما يعني بأن هذه البئر ليست المقصودة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
إذن السؤال الذي يطرح نفسه الآن وسنحاول الرد عليه في هذه القصة. أين تقع بئر برهوت الحقيقية؟ وماذا وجد الفريق العماني بداخل البئر الشهيرة التي نزلوا إليها؟ هذا ما سنجيب عنه بالتفصيل في هذه القصة.
في منتصف شهر سبتمبر من عام 2021 استطاع فريق علمي عماني لأستكشاف الكهوف من الوصول إلى قعر بئر برهوت في صحراء محافظة المهرة شرق اليمن. هذه البئر التي تحيط بها أساطير تناقلها الناس على مدى قرون طويلة مثل كونها مسكونة من الجن وقد تبتلع كل من يقترب منها وحيكت حولها العديد من القصص المخيفة والمرعبة.
وإذا كنت تتساءل عن سبب كل هذا الغموض المرتبط بها فالسبب هو أنها ذكرت في بعض الأخبار القديمة وكذلك ذكرت في حديث نبوي من سيرة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حيث روى الطبراني في معجمه الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء برهوت بقية حضرموت كرجل الجراد من الهوام، يصبح يتدفق، ويمسي لا بلال بها.» فمعنى هذا الحديث كما سمعتم أن ماء زمزم هو ماء مبارك وهو طعام وشراب وشفاء وبركة وقد جعله الله في حرمه وبجوار بيته الحرام وفي أفضل البقاع فجمع المحاسن كلها وشر ماء على وجه الأرض ماء بواد برهوت بقبة بحضر موت وفي بعض الروايات بقبة حضر موت أي ماء بئر بواد برهوت بحضر موت باليمن وهي بئر عميقة ماءها أسود لا يمكن نزول قعرها كرجل الجراد من الهوام أي يردها ويشرب منها الهوام والوحوش مثل الجماعة الكثيرة من الجراد وشبهها به لأن الجراد إذا نزل بأرض فإنه يفنيها أما قوله تصبح تتدفق أي تسيل بالماء الكثير وتمسي لا بلال لها أي تمسي وليس بها قطرة ماء بل ولا أرضها مبتلة.
وقيل بأنها كانت أشر أنواع المياه لأن بها أرواح الكفار أو لسوء مائها أو بعد قعرها أيضا مما ذكر عن بئر برهوت ما ذكره الأصمعي عن رجل حضرمي أنه قال إنا نجد من ناحية برهوت رائحة منتنة فظيعة جدا فيأتينا الخبر أن عظيما من عظماء الكفار قد مات كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن أبغض البقاع إلى الله تعالى واد برهوت بحضرموت فيه بئر ماؤها أسود منتن يأوي إليه أرواح الكفار ولقد ذكرها الإمام الشافعي أيضا في مذهبه حيث قال قال بأن الماء المكروه ثمانية أنواع المشمس وشديد الحرارة وشديد البرودة وماء دار ثمود إلا بئر الناقة وماء ديار قوم لوط وماء بئر برهوت وماء أرض بابل وماء بئر ذروان.
لن أخوض كثيرا في القصص المرعبة والمخيفة والخرافات التي نسجت حول هذه البئر التي تشاهدونها أمامكم في الصورة والتي زعم بأنها بئر برهوت الحقيقية ولكن سأعطيكم نبذة عنها لكي تستوعبوا حجم الغموض الذي أحاط بها لعقود طويلة فمن أشهر القصص التي رويت عنها أنها حفرها ملوك الجن من أجل أن تكون سجنا يضعون فيه من يخالفهم أو يعصيهم واستدلوا على صحة هذه الخرافة بالظلمة الحالكة في قاع البئر وكذلك البخار والغازات التي قيل بأنها تتصاعد أحيانا من القاع وهناك من ذهب للقول بأن أحد ملوك الدولة الحميرية القديمة استعان بالجن لحفر هذه البئر من أجل إخفاء كنوزه ولكنه عندما مات استوطن أتباعه من الجن هذه البئر وأطلق عليها اسم برهوت حيث إن برهوت في اللغة الحميرية القديمة معناها أرض الجن.
أيضا من القصص الشهيرة التي رويت عن برهوت أن مجموعة من الرجال ربطوا صديقهم وقاموا بإنزاله للبئر ليجلب لهم الماء وبالفعل جلب لهم الماء ثلاث مرات وفي المرة الرابعة طال مكوثه بالأسفل فنادوه عليه كثيراً ولكنه لم يستجب وفجأة شعروا بقوة تشد الحبل وتسحبه بشدة من الأسفل فطلبوا المساعدة ممن حولهم وعندما سحبوا الرجل فوجئوا بأن نصف جسده السفلي كان مفقودا حيث تم شقه لنصفين ويقال أيضا بأن رجلا شجاعا حاول النزول للبئر لاستكشافه وبالفعل تم ربطه وتم تزويده بكاميرا تصوير لتوثيق لحظات نزوله للقاع ولكن عندما وصل لعمق مئة متر بدأ يصرخ بشكل متتال وطلب أن يسحب للأعلى وعندما قاموا بإخراجه وسألوه عما حدث له أخبرهم بأنه رأى أن حلقة البئر كادت تغلق عليه وعندما نظروا إلى ما صورته الكاميرا صدموا بأن الكاميرا لم تصور سوى ظلام حالك على الرغم من وضوح الرؤية في البئر في ذلك الوقت وهناك العديد والعديد من القصص الأخرى ولكنني أكتفي بهذا القدر.
في منتصف شهر سبتمبر الماضي كان العالم على موعد مع حدث مهم للغاية وهو نزول فريق عماني لاستكشاف الكهوف ولأول مرة إلى قعر بئر برهوت المزعوم فكانت المفاجأة أن هذا البئر لا يمت للقصص التي رويت عنه بأي صلة فهو بئر أو بالأحرى خسف طبيعي يوجد في صحراء محافظة المهرة ويبلغ قطر فوهته الدائرية نحو 30 مترا ويصل عمقه إلى 112 مترا كما يتسع قطره بالأسفل ليبلغ نحو 116 مترا. أيضا وجدوا بداخل هذا الكهف مياها جوفية تنبثق من جدرانه لتكون شلالات بديعة وعثروا بداخله على حيوانات نافقة وطيور ميتة وثعابين وضفاضع وخنافس ولم يعثروا على أي دليل على وجود أمر خارق للطبيعة أما بالنسبة للرائحة الكريهة التي يقال بأنها تنبعث منه فقد أرجع المستكشفون العمانيون السبب إلى الحيوانات النافقة والمتعفنة بقاع البئر إذن كما تبين لكم أنهى الفريق العماني أسطورة الرعب التي أحاطت بهذه البئر لكن هل هذا يعني بأن بئر برهوت غير موجود فعلا؟
هذا ما ذهب البعض إلى الاعتقاد به بعد نجاح الفريق العماني في النزول إلى قاع هذه البئر المزعومة بل قامت فئة بتكذيب الحديث بينما في الواقع البئر التي ذهب إليها الفريق العماني لا صلة لها بالحديث النبوي أصلا. ينص الحديث بصرف النظر عن صحته من عدمها أن ماء برهوت يوجد في حضر موت وهذه معلومة هامة جداً لأن في اليمن ثلاثة آبار تحمل كلها اسم برهوت.
البئر الأول يوجد في شوران بمدينة شبوة وهو بحيرة على فوهة بركان خامد والبئر.
الثاني هو بئر الكسفة أو خسف جيث في محافظة المهرة وهو نفس البئر الذي ذهب إليه الفريق العماني ويجب عليكم معرفة أن مدينة المهرة لا صلة لها جغرافيا بحضر موت التي قال الحديث بأنها توجد بها بئر برهوت وبالتالي البئر التي نزل لقاعها الفريق العماني ليست بئر برهوت.
ويتبقى لنا البئر الثالثة والأخيرة وهو مغارة برهوت في محافظة حضر موت أيضا جدير بالذكر بأنه قبل نزول الفريق العماني لقاع هذه البئر سنة 2021 أجرى السيد صالح بن عبد الله بلفقيه اليمني زيارة لنفس البئر أواخر عام 2011 وذكر في كتابه الرائع المدعو برهوت الذي صدر في عام 2012 ذكر فيه نفس ما أعلنه الفريق العماني قبل فترة حيث قال بأن قاع بئر الكسفة في محافظة المهرة يمكن رؤيته وقت الظهيرة وتحيط بقاعها خضرة كثيفة ويسمع خرير ماء متدفق ينبع من جوانبها ويصب في قاعها فالفرق الوحيد بين الفريق العماني وبين السيد صالح هو أنه لم ينزل للأسفل لأنه رآه من الأعلى بينما الفريق العماني نزل وقام بتصوير التفاصيل والسؤال الآن هو لماذا أطلق إذن على هذه البئر بئر برهوت رغم أنها ليست كذلك.
الإجابة حسب السيد صالح هو أن من ربط بئر برهوت بهذه البئر صحفيان نشرى مقالا عنه وأطلقا عليه هذا الاسم بدون أي سند علمي أو لغوي. إذن بعيدا عن كل هذا الكلام أين يقع بئر برهوت الحقيقي؟ ذكر في الحديث الشريف بأن برهوت يوجد في حضر موت باليمن وبالفعل توجد بالقرب من قرية تنعة في وادي الأحقاف شرق حضر موت بئر بداخل مغارة تسمى مغارة برهوت وهي مغارة مظلمة وعميقة تمت العديد من الرحلات العلمية العربية والأجنبية إليها أول تلك الرحلات إلى بئر برهوت الحقيقي تمت في عام 1913 من طرف محمد بن عقيل بن يحيى وذكر بأنه بعد خمسين مترا من اجتياز المغارة سطعت رائحة الكبريت وقد وجد بداخلها براز الخفافيش فمشى مع رجل إلى أن ضاق عليهم السرداب وظهرت أمامهما عدة منافذ وسراديب حاولا الوصول إلى نهاية أحدهما لكنهما لم يمشيا إلا نحو 150 مترا وقال بأن أقدامهم كانت تغوص في الرماد والماء ولم يكونا يشعران بشيء سوى الحر الشديد غير أن السراديب كانت مليئة بالحفر التي توجد بها الحيات والأفاعي.
الرحلة الثانية كانت في عام 1931 من قبل رحالة هولندي وآخر ألماني وقد اجتازا فوهة المغارة وخاضا المغامرة ولكنهما لم يتمكنا من الوصول إلى فوهة البئر لضعف المعدات التي كان يمتلكاها وبسبب قلة الأكسجين أيضا وقد سجلا رحلتهما في كتاب تم ترجمته لاحقا تحت عنوان حضر موت إزاحة النقاب عن بعض غموضها والفصل الذي يخص برهوت مذكور ما بين الصفحتين 186 و193.
أما المحاولة الثالثة لدخول هذه البئر فهي تعود للسيد صالح بن عبد الله الذي ذكرته قبل قليل وأخبرتكم بأنه وصف خسف فوجيد في عام 2011 وهو نفس البئر الذي دخل إليه الفريق العماني مؤخرا وهو مؤلف كتاب برهوت السيد صالح هو كيميائي قام بخمس رحلات إلى هذه البئر وقام بأخذ عينة من الماء وعظام وتراب ومواد كيميائية من الداخل وأصدر كتابه برهوت الذي تجدون فيه كل ما تريدون معرفته حول برهوت.
أما المحاولة الرابعة فكانت من قناة بلقيس اليمنية في عام 2018 التي تمكنت من دخول المغارة ولكنها لم تصل لنقطة البئر بسبب عدم وجود إمكانيات تلائم حجم السرداب.
والمحاولة الخامسة والأخيرة لحد الآن هي من طرف الأخ وصاحب قناة آخر مستجدات العالم الذي أنصحكم بزيارة قناته الجميلة والتي تحدث فيها بالتفصيل الممل وفي عدة فيديوهات عن بئر برهوت الحقيقي وذكر معلومات كثيرة ومهمة عنه حيث قام رفقة فريقه بالدخول إلى هذه المغارة قبل فترة قصيرة.
إذن هذا كان كل ما في الأمر باختصار شديد وتلخيصاً لكل ما قلته وذكرته وتصحيحاً للمفاهيم البئر أو الحفرة أو الخسف أو الكهف الذي نزل الفريق العماني إلى قاعه ليس بئر برهوت الحقيقي فهو أولاً لا يوجد في حضر موت كما ذكر في الحديث بل يوجد في المهرة وثانياً بعد النزول إليه تبين بأنه لا علاقة له بأجواء الرعب والأساطير التي روجت عنه أما بئر برهوت أو ماء برهوت الذي يعتبر شر ماء على وجه الأرض فهو والله أعلم يوجد في مغارة برهوت في أحد الجبال في محافظة حضر موت بالقرب من قرية تنعة والله أعلم.
والسلام









إرسال تعليق