كانت ليلة مظلمة وباردة في مدينة بروكفيلد في ولاية كوناتيكوت الأمريكية. الشرطة تلاحق شخصا ما. تم إلقاء القبض على المجرم الهارب في نهاية المطاف.
ولكن هذا المجرم كان في حالة ضياع. الأمر أشبه بكونه غير مستوعب لما حدث ويحدث. ينتقل المشهد إلى دائرة الشرطة ومن بعدها إلى المحكمة.
إلى هنا الأمر طبيعي. مجرم مدان بجريمة قتل ويخضع للمحاكمة. ولكن ما أن بدأ الدفاع مرافعته حتى تفجرت المفاجأة.
لم يكن الرجل القابع خلف القضبان هو المجرم. نعم، هو نفذ. والقتل كان على يده ولكن ليس بإرادته.
فالمجرم الحقيقي هو (أنصت جيدا) الشيطان. نعم ياصديقي كما قرأت تمام أعلم أن البعض منكم سيقول لي لقد شاهدنا هذا المشهد من قبل. والأمر صحيح.
فهذا المشهد من أحد أبرز أفلام الرعب التي تناولت موضوع المس الشيطاني. والمفارقة أن الفيلم قائم من أوله إلى آخره على حادثة واقعية وحقيقية. وقعت أحداثها في ثمانينات القرن الماضي.
ولتلك الأحداث قصة غامضة ومخيفة.
السلام والإحترام أصدقائي الكرام طبتم وطابت أوقاتكم. ومرحبا بكم في هذه الدردشة.
موضوعنا اليوم كما هو واضح من مقدمته. يتمحور حول قضية غريبة. المتهم رجل.
والمنفذ شيطان. أحداث أشبه بأفلام الرعب. بل هي ما اعتدنا رؤيته فعلا في أفلام الرعب والخيانة.
محاكمة غريبة. ضجة إعلامية غير مسبوقة. كتب ووثائقيات وأفلام وثقت ما جرى.
ما الذي جرى فعلا آنذاك؟ خذوا نفسا عميقا واقرأو القصة الكاملة. الشيطان جعلني أفعلها.
تبدأ أحداث القصة الغريبة عندما قرر أرنيت جونسون وخطيبته ديبي غلاتزيل مساعدة أهل خطيبته في تنظيف المنزل الذي قاموا باستئجاره حديثا.
مع انتقال العائلة المؤقت إلى هذا المنزل بدأت الأحداث الغريبة بالوقوع وتحديدا لطفل العائلة الأخ الأصغر لديبي المدعو ديفيد صاحب الأحد عشر عاما الفتى وبدون سابق انذار بدأ بالصراخ المخيف والسبب ظهور رجل عجوز من العدم قام بدفعه وإخافته. العائلة في بادي الأمر ظنت أن الصبي اخترع هذا الرجل كي لا يساعد في أعمال التنظيف والانتقال إلى أن ديفيد أكد للعائلة أن الرجل العجوز أخبره بأنه سيؤذي العائلة إذا ماأنتقلوا إلى هذا المنزل. لم تعر العائلة اهتماما لما قاله الصبي الصغير.
ولكن الأحداث توالت. أصوات غريبة تصدر من العلية. صراخ دائم للصبي الصغير.
كوابيس تفاجئ الصبي تارة يكون الرجل على هيئة وحش مخيف. وتارة أخرى نصف بشري ونصف حيواني بعيون شيطانية مخيفة.
والمشكلة أن لا أحد رأى هذا الوحش سوى الصغير ديفيد. بدأت الأمور تسوء أكثر فأكثر. خدوش وردود غير مبررة.
علامات خنق واضحة على رقبة الصغير. والسبب غير معروف بعد مدة قصيرة بدأ الوحش يؤكد وجوده شيئا فشيئا.
فأصبح الصبي يرى الوحش نهارا وليلا. أصوات مسموعة للجميع. أبواب تفتح وتغلق لوحدها.
أشياء تطير من تلقاء نفسها. وصوت غريب يصدر من بئر في باحة المنزل. تذكروا هذا البئر جيدا.
فسنصل إليه في سياق القصة. العائلة طلبت مساعدة الكنيسة. باعتبار البيت مسكونا.
والصبي ممسوسا. إلا أن الكنيسة لم تقتنع بموضوع المس. وأرسلت كاهنا فقط لمباركة المنزل.
لم يفلح الأمر. واستمر الحال المخيف حتى قررت العائلة بعد 12 يوما اللجوء إلى المختصين. وهنا تدخل الخبيران في علم الشياطين والمس الشيطاني.
والمحققان في الظواهر الغامضة. أيد والورين وورين. وصل الخبيران إلى المنزل فعلا.
وأول ما لاحظته لورين بحسب ما أخبرت به وسائل الإعلام المختلفة بعد المحاكمة وجود ضباب أسود بجانب الصبي ديفيد. كإشارة واضحة على وجود شيطاني خبيث في المنزل. طبعا العائلة أعلمت الخبيرين بالخدوش والعلامات الحمراء على رقبة الصبي وغيرها.
وبشهادة المحققين وحضورهما كان الصبي يصدر أصوات غريبة. تارة أصوات حيوانات. وتارة أخرى همسا غريبا.
وأصوات غير بشرية إطلاقا. كما أن الصبي كان يردد مقاطع من الإنجيل ومقاطع أخرى من الملحمة الشهيرة الفردوس المفقود.
وبلغة لاتينية قديمة. كان الأهل على قناعة تامة بأنه لا يتقن أبسط حروفها. غريب.
بدأت عمليات طرد الشيطان من قبل الخبيرين. وطبعا العائلة كانت حاضرة. لورين أكدت أنها شهدت ارتفاع جسد ديفيد في الهواء تلقائيا.
إضافة إلى توقفه عن التنفس لفترة قصيرة. المفاجأة كانت فيما قاله الصبي أو ما توقعه بالأصح في إحدى نوباته. التوقع كان عن جريمة قتل سيقدم عليها صهره آرني جونسون.
الشرطة أخطرت بتدهور الوضع في أكتوبر من العام 1980. ولكن لم تأتي بأي حركة. معتبرة أن الصبي يعاني من مرض نفسي لا أكثر.
بدأت الأمور بأخذ منح جديد بعد أن أقام آرني أي الصهر. بتحد الشيطان في إحدى الجلسات طالبا منه مغادرة جسد الطفل الصغير وسكن جسده بدلا منه. خلال الجلسة لم يحدث شيء.
ولكن بعدها بدأت المظاهر الشيطانية بالظهور شيئا فشيئا. أصوات غريبة كان يسمعها الرجل. ورؤى شبيهة بتلك التي تحدث عنها ديفيد الصغيرز
وبعد ذلك وبحسب روايات آرني وخطيبته ومن شاهد الحادثة سيطر فيه الشيطان على سيارة الشاب صادما إياها بإحدى الأشجار. الشاب خرج سالما من الحادث المخيف. ولكنه وكنوع من التحدي توجه إلى البئر في باحة المنزل.
هل تذكرونها؟ هذه البئر بحسب المصادر كانت منزل الشيطان بحسب الخبيرين. وهناك وبحسب ما ورد في الكتب والأفلام التي وثقت القضية الشهيرة وبحسب ما صرح به آرني نفسه في المقابلات العديدة التي أجراها كانت آخر مقابلة أو مواجهة لآرني مع الشيطان. حيث نظر آرني بحسب أقواله إلى عين الشيطان مباشرة ليتيقن بعدها أنه أضحى ممسوسا. حقا مرعب أليس كذلك؟ ومع تزايد حالة ديفيد سوءا وبدأ آرني بالشرود والذهول عند دخول المنزل المسكون قرر الزوجان مغادرة منزل عائلة الفتى. وبالفعل بدى وكأن القدر قرر مساعدة الشابين. فحصلت الفتاة دبي على عمل في مركز مخصص للعناية بالكلاب.
رب العمل المدعو ألان بونو قرر مساعدة الشابين وتأجيرهما شقة بجانب مركز عمل الفتاة. إلا أن ما خفي كان أعظم. بعد الانتقال إلى المنزل الجديد بدأت حالة الشاب آرني تزداد سوءا وأضحى تصرفاته شبيهة بتلك التي تصيب ديفيد.
وبحسب خطيبته فإن الشاب كان يدخل في حالة ذهنية غريبة يتخللها هلوسات وتمتمات غير مفهومة ولكنه عند استيقاضه لا يذكر شيئا أبدا مما حدث. استمر الحال على هذا المنوال حتى كان ذلك اليوم المشهور. في 16 فبراير من العام 1981 طلب آرني إجازة مرضية من عمله وانضم إلى خطيبته في المركز الذي تعمل فيه.
كان بصحبة الشاب أخته واندا وابنة عم خطيبته فتاة صغيرة اسمها ماري. صاحب العمل أي بونو قرر اصطحاب المجموعة إلى الغداء في حانة قريبة من المركز وهناك بدأ الرجل بالشرب بطريقة مخيفة. بعد الغداء عاد الجميع إلى المركز لتقوم ديبي بعد ساعات باصطحاب الفتيات لشراء البيتزا تاركة خطيبها وصاحب العمل في المركز.
ديبي وبدافع من إحساسها بوقوع أمر ما وخوفا من حالة السكر التي كان المالك واقعا تحت تأثيرها طلبت من الفتيات العودة إلى المركز سريعا. وبالفعل عندما وصلت الفتيات كان الجو مشحونا بين الرجلين وبحسب السجلات الرسمية فإن المالك بونو قام بتوجيه إساءة مهينة بحق ديبي الأمر الذي أثار غضب آرني. ديبي طلبت من الجميع مغادرة الغرفة وترك بونو حتى يستيقظ من حالة السكر التي وقع تحت تأثيرها.
خرج الجميع ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان. أمسك بونو بالفتاة الصغيرة ماري رافضا السماح لها بمغادرة الغرفة حاولت الفتيات إقناع الرجل الثمل بترك الفتاة الصغيرة ولكن دون فائدة. وهنا عاد آرني إلى الغرفة واستطاع تحرير الفتاة التي ركضت إلى السيارة هاربة مما يحدث.
في الغرفة كانت ديبي تقف بين الرجلين فيما واندا شقيقة آرني تحاول إبعاده عن الرجل الثمل. وفجأة بدأ آرني بإصدار صوت عال وغريب ثم دخل في نوبة هستيرية قام على إثرها بطعن الرجل خمس طعنات باستخدام سكين الجيب خاصته. بونو مات متأثرا بجراحه الخطيرة التي أصابت صدره بشكل خاص بالإضافة لجرح عميق امتد من بطنه حتى قلبه.
أما آرني فقد فره هائما على وجهه غير مصدق لما جرى حتى وجدته الشرطة وألقت القبض عليه. في الثامن والعشرين من أكتوبر من نفس العام بدأت محاكمة آرني بعد سماع الأقوال والمشاهدات. وطبعا كانت أبرزها تلك التي أدل بها الخبيران في المس الشيطاني الذين أكدا أن الرجل ممسوس.
أما آرني فقد أصر في محاكمته على أن الشيطان هو من دفعه لقتل الرجل وأنه لم يكن يتحكم في أفعاله وقت الحادثة. المفارقة الكبرى كانت أن دفاع آرني اعتمد رسميا ولأول مرة في تاريخ القضاء الأمريكي على حجة المس الشيطاني لتبرير الجريمة. محام الدفاع أصر على الحجة وتسرب الخبر إلى الإعلام محدثا ضجة غير مسبوقة.
وفي المقابل القاضي المسؤول وجهة الإدعاء رفضا الأمر رفضا قاطعا. بل رفضا إقامة جلسات المحاكمة تحت هذه الحجة الواهية وغير العلمية بحسب توصيفهم. وبعد أخذ ورد تم إقناع دفاع المتهم بتحويل حجة الدفاع من المس الشيطاني إلى الدفاع عن النفس.
وبالفعل صدر الحكم بإدانة آرني بتهمة القتل الغير متعمد بداع الدفاع عن النفس. الجريمة التي يحاكم عليها القانون بالحبس من 10 إلى 20 سنة. قضى منها آرني 5 سنوات فقط ثم خرج بإطلاق صراحة مشروط بسبب حسن السلوك.
عام 1983 نشر كاتب الغموض والظواهر الخارقة جيرارد بيتل كتابا بعنوان (The Devil in Connecticut) في الكتاب تم نشر تفاصيل القصة منذ بدايتها وصولا إلى المحاكمة. والأحداث تمت صياغتها بمساعدة لورين وورين الخبيرة التي رافقت العائلة في رحلة المس الشيطاني.
الكتاب تمت طباعة العديد من النسخ منه على مر السنوات لتصبح القصة مشهورة. ولكن اسمعوا التالي. المفارقة هي أنه في عام 2006 قام ديفيد الفتى الصغير الممسوس والذي أضحى شابا بصحبة أخيه كار برفع دعوة على الكاتب وعلى دار النشر.
في الدعوة رفض الرجلان موضوع المس الشيطاني مؤكدان أن الموضوع خدع لا أكثر. قام بها الخبيران في الظواهر الغامضة والمس الشيطاني مستغلين حالة ديفيد العقلية آنذاك. في الدعوة أيضا ذكر الرجلان أن الخبيرين أخبرا العائلة أن هذه القصة ستجعل العائلة في مصاف الأثرياء وستساهم في إخراج آرني من السجن.
لتعود القصة إلى الواجهة من جديد وتقوم قناة ديسكوفريد شانل بتصوير وثائقي حول هذه القصة في نفس العام. أي في عام 2006 حمل عنوان وير ديمونز دويل. وطبعا تمت الاستعانة بآرني وزوجته ديبي لرواية التفاصيل.
الزوجان أكدا في هذا الوثائقي وغيره من المقابلات أن آرني فعلاً كان ممسوسا وتحديدا وقت الجريمة. رافضين أي اتهام بالاحتيال والسعي خلف الشهرة وما شابه ذلك من الاتهامات التي وجهها الإعلام إلى الزوجين ومحام الدفاع والمحققين إد ولورين وورين. استمر الاهتمام بهذه القصة حتى عام 2021 عندما صدر فيلم يروي تفاصيلها طبعا مع تغيير بعض الأحداث لتتوافق مع أحداث الفيلم.
الفيلم الذي حمل عنوان ذي كونجورينغ ذي ديفل ميت مي دويت. هذا الفيلم حقق نجاحا باهرا وأضحى مرجعا لكل من يبحث عن تفاصيل هذه القضية التي بدورها ألهمت العديد من الكتاب والمؤلفين. وبقيت محتفظة بشهرتها تحت اسم ذي ديفل ميت مي دويت أو الشيطان جعلني أفعلها.
إذن أصدقائي هذا ما كان في جعبتنا حول قضية الشيطان جعلني أفعلها أو دي ديفل ميت مي دويت. القضية التي ما زالت تحتل موقعا في صدارة القضايا الجدلية. والقضية التي كان للمس الشيطاني الدور المحوري فيها.
تفاصيل كثيرة ذكرناها. والأعمال الفنية أسهبت في إضافة تفاصيل أخرى لزيادة التشويق تشويقا. إلا أن الثابت أن المس الشيطاني ظاهره موجوده منذ الأزمان الغابرة. هذه قضية أعادت هذه الظاهرة إلى الواجهة وبقوة.
طبعا هذا الموضوع ما زال موجودا في أيامنا هذه رغم تراجع حدة الاعتقاد به. إلا أنه موجود ويتم ذكره في محافل كثيرة. ولا يخفى على أحد أن الشياطين بحسب الكثير من الشرائع ومنها ديننا الإسلامي موجودة.
فهي مخلوقات ذكرت في القرآن الكريم. الآراء متباينة حول موضوع المس الشيطاني. إلا أننا نعلم علم اليقين أن الحامي هو الله تعالى وحده الذي نحتمي في كنفه من كل شرور الأرض.
وأن الشياطين التي تمشي على الأرض بيننا هي التي تبعث على الخوف أكثر من تلك الخفية عن الأعين. فشرورها مغلفة بمعسول كلام والأفعال. الأفعال التي فاقت بشاعتها أعظم مما فعله كل كائنات الأرض.
والحذر منها بل وطردها واجب دائما وأبدا. وأظن أنكم تعلمون تماما ما الذي أتكلم عنه أو من الذي أتكلم عنه. وقانا الله وإياكم خبثها وشرورها وفرج الله عن من يعانون من لعنتهم بنصر قريب.
أما نحن أصدقائي فسنبقى على إطلاع دائم على كل ما هو قديم وحديث غريب وطبيعي حقيقة أو أساطير وروايات مؤلفة لتزييف الحقائق لنبقى على دراية بكل ما يدور حولنا في هذا الكوكب. وإلى أن نلتقي في دردشة جديدة. ابقوا أصدقائي في أمان.
والسلام

إرسال تعليق