قصة سيدنا نوح




سيدنا نوح عليه السلام: نبي الصبر والطوفان

في زمنٍ بعيد، بعد وفاة النبي إدريس عليه السلام، بدأ الناس في الابتعاد عن عبادة الله الواحد الأحد، ومالت قلوبهم إلى عبادة الأصنام التي صنعوها بأيديهم، وسمّوها بأسماء رجال صالحين كانوا بينهم مثل ودّ، سواع، يغوث، يعوق ونسر. لم يدركوا أن هذه التماثيل لا تضر ولا تنفع، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى رموز مقدسة تُعبد من دون الله.

في هذا الظلام الحالك، بعث الله نبيه نوحًا عليه السلام، رجلاً صالحًا اختاره الله لحمل رسالته ودعوة قومه إلى عبادة الله وحده. وقف نوح عليه السلام بين قومه، يخاطبهم بلينٍ وحكمة، ويذكرهم بعظمة الله الذي خلق السماوات والأرض، لكنهم كانوا مستكبرين، رافضين للحق.

دعوة نوح وصبره على قومه

بدأ نوح دعوته سرًا، محاولًا أن يكسب قلوب قومه بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان يدعوهم في الليل والنهار، وينصحهم سرًا وجهارًا، ويذكرهم بمغفرة الله ورحمته إن هم رجعوا إليه. لكنهم كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم، ويستغشون ثيابهم، حتى لا يسمعوا صوته أو يروا وجهه، وظلوا في طغيانهم يعمهون.

لم ييأس نوح، بل استمر في دعوته سنوات طويلة بلغت 950 عامًا، ومع ذلك لم يؤمن به إلا قلة قليلة، أكثرهم من الفقراء والمستضعفين، أما السادة والوجهاء، فكانوا يسخرون منه ويستهزئون بدعوته قائلين: "ما نراك إلا بشرًا مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي".

جدال القوم واستكبارهم

لم يكتفِ الكفار برفض الدعوة، بل سعوا إلى إيقاف نوح عليه السلام عن نشرها، فذهبوا إليه وقالوا له:
"يا نوح، إن كنت مصرًا على دعوتك، فأتنا بالعذاب الذي تعدنا به إن كنت صادقًا".

كانوا يظنون أن تهديدهم سيجعله يتراجع، لكنه لم يكن إلا رسولًا من عند الله، لا يملك إنزال العذاب ولا دفعه، فترك الأمر لله، وقال لهم:
"إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين" (هود: 33).

ولكنهم استمروا في عنادهم، بل قرروا التخلص منه، فاجتمعوا واتفقوا على إيذائه، فآذوه وسخروا منه، لكنه كان صابرًا محتسبًا، متيقنًا بأن الله لن يخذله.

أمر الله ببناء السفينة

بعد أن أيقن نوح أن قومه لن يؤمنوا، أوحى الله إليه بأنه سيهلك الكافرين بالطوفان، وأمره بصنع سفينة عظيمة، فأطاع نوح أمر الله وبدأ في بنائها وسط الصحراء، مستخدمًا الأخشاب وربطها بالمسامير، وكان يعمل بجدٍ وإخلاص.

مرّ القوم عليه وهو يصنع السفينة، فضحكوا منه وقالوا:
"يا نوح، أتبني سفينة في الصحراء؟ أين الماء الذي ستجري عليه؟"

لكن نوح لم يلتفت إليهم، بل قال لهم:
"إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون" (هود: 38).

بدء الطوفان وهلاك الظالمين

بعد أن انتهى نوح من بناء السفينة، أوحى الله إليه أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين من الحيوانات والطيور، ومن آمن معه من الناس. وحين حلّ الموعد المقدر، بدأت علامات العذاب تظهر، إذ فارت الأرض بالمياه، وبدأت السماء تمطر بغزارة لم تشهدها الأرض من قبل، حتى غمرت المياه كل شيء.

ركب نوح عليه السلام السفينة مع المؤمنين، وأُغلقت الأبواب، وبينما كانت الأمواج ترتفع، رأى ابنه كنعان يحاول الهروب إلى الجبال، فناداه نوح بحرقة الأب:
"يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين".

لكن ابنه رفض قائلاً:
"سآوي إلى جبل يعصمني من الماء".

فردّ نوح عليه السلام بحزن:
"لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم".

وإذا بموجٍ عظيم يفصل بينهما، فيغرق الابن مع الكافرين، ويشعر نوح بألم فقده.

نهاية الطوفان واستقرار السفينة

استمر الطوفان حتى غطت المياه قمم الجبال، وهلك جميع الكافرين، ولم يبقَ على وجه الأرض إلا نوح ومن معه. وبعد زمن، أمر الله الأرض بأن تبلع ماءها، والسماء بأن تكف عن المطر، فانخفضت المياه، واستوت السفينة على جبل الجودي، وأمر الله نوحًا ومن معه بالنزول إلى الأرض ليبدأوا حياة جديدة.

العبرة من القصة

قصة نوح عليه السلام مليئة بالعبر والدروس، ومنها:

  1. الصبر على الدعوة: فقد صبر نوح قرونًا رغم الأذى والسخرية.
  2. أن النصر بيد الله: فبعد طول العناد، جاء الطوفان ونصر الله عباده المؤمنين.
  3. أهمية الإيمان لا النسب: فقد غرق ابن نوح لأنه رفض الإيمان، فلم تشفع له قرابته من النبي.
  4. الطاعة المطلقة لله: فقد نفذ نوح أوامر الله بدقة، فكان من الناجين.

وهكذا، كان نوح عليه السلام نبيًا عظيمًا، جسّد معاني الصبر والطاعة والتوكل على الله، حتى صار مثالًا يُحتذى به لكل داعية إلى الله.



 

Post a Comment

أحدث أقدم